محمد بيومي مهران
181
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
دعائه أهل نينوى وتبليغه رسالة اللّه إليهم ، ولكنهم استعصوا عليه ، فضاق بهم صدرا ، وعاد مغاضبا « 1 » ، ولم يصبر على معاناة الدعوة معهم ، ظانا أن اللّه لن يضيّق عليه الأرض ، فهي فسيحة ، والقرى كثيرة ، والأقوام متعددون ، وما دام هؤلاء يستعصون على الدعوة فسيوجهه اللّه إلى قوم آخرين ، ذلك معنى « فظن أن لن نقدر عليه » أي أن لن نضيق عليه « 2 » ، وذلك لأن يونس عليه السلام ظن ، كما يقول الإمام الرازي ، أنه مخيّر إن شاء أقام وإن شاء خرج ، وأنه تعالى لا يضيق عليه في اختياره ، وكان من المعلوم أن الصلاح في تأخر خروجه ، وهذا من اللّه تعالى بيان لما يجري مجرى العذر له من حيث خرج ، لا على تعمد المعصية ، لكنه لظنه أن الأمر في خروجه موسع يجوز أن يقدم ويؤخر ، وكان الصلاح خلاف ذلك « 3 » . هذا وقد ظن الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان أنه من القدرة ، فاستشكل ذلك ، إذ لا يظن أحد ، فضلا عن النبي عليه السلام ، عدم قدرة اللّه تعالى ، وفزع إلى ابن عباس في ذلك « 4 » ، « روى أن ابن عباس ، رضي اللّه عنهما ، دخل يوما على معاوية فقال : لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة فغرقت فيها ، فلم أجد لنفسي خلاصا إلا بك ، قال : وما هي يا معاوية ، فقرأ الآية فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فقال : أو يظن نبيّ اللّه أن لا يقدر عليه ، قال :
--> ( 1 ) يقول الألوسي في روح المعاني : وقيل مغاضبا لربه عز وجل ، وحكى في هذه المغاضبة كيفيات وتعقب ( أبو حيان ) ذلك في البحر بأنه يجب إطراح هذا القول ، إذ لا يناسب ذلك منصب النبوة ، وينبغي أن يتأول لمن قال ذلك من العلماء كابن مسعود والحسن والشعبي وابن جبير وغيرهم بأن يكون معنى قولهم لربه لأجل ربه تعالى وحمية لدينه ، فاللام لام العلة ، لا اللام الموصولة للمفعول به ( روح المعاني 3 / 83 - 84 ، وانظر أيضا : تفسير البحر المحيط 6 / 335 ، تفسير الطبري 17 / 76 - 1 / 7 ، تفسير الفخر الرازي 22 / 214 ) . ( 2 ) في ظلال القرآن 4 / 2393 . ( 3 ) تفسير الفخر الرازي 22 / 215 . ( 4 ) تفسير روح المعاني 17 / 84 .